السبت، 3 يناير 2015

الاضراب


الاضراب
اقبل جميع العمال على نائب المدير الذى وقف فى مكان اعلى بقامته النحيلة ومن حين لاخر يثبت النظارة على عينيه بيده، ليقول بصوت حاول ان يبدو حاسما:
-صدر قرار بزيادة عدد ساعات العمل لمدة ساعة اضافية لتعويض التاخير ورفع مستوى الانتاج.
فصاح احد العمال المخضرمين:
-بس قانون العمل بيلزم صاحب العمل عدم تشغيل العمال لاكثر من ثمان ساعات.
فنظر نائب المدير له فى استهزاء قبل ان يقول فى سخرية:
-قانون العمل! برده قانون العمل اتاح زيادة عدد ساعات العمل فى حالة الضرورة
والادارة اعتبرت الفترة اللى احنا فيها حالة ضرورة.
فقال العامل فى عناد:
-والقانون بيشترط على التعويض فى حالة العمل لاكتر من ثمان ساعات.
فقال نائب المدير فى تحد:
-اشتكى فى المحكمة.
فوجم الجميع لما قاله نائب المدير قبل ان يكمل فى سخرية:
-وفرصة ان القانون بيدى للعمال حق رفع القضايا بتاعتهم بدون مصاريف بشكل مجانى بس اللى هيعمل كده المصنع هيستغنى عنه.
همهم جميع العمال بكلمات غاضبة بسبب السخرية من احد كبار العمال والذى يحوز على احترامهم ليصيح احد شباب العمال فى غضب:
-بس المصنع محقق ارباح كبيرة واكبر من ارباح السنة اللى فاتت.
- الارباح المتحققة ضعيفة من وجهة نظر الادارة وبنطمح لارباح اكبر وفى اطار توفير النفقات وخطة التجديد والتطوير تم الاستغناء عن عدد من العمال بالاضافة الى احالة اخرين للمعاش المبكر وتم تسليمهم جميعا الاستغناء الخاص بهم وبالنسبة لمن احيل للمعاش تم صرف مكافاة نهاية الخدمة لهم.
بدأ العمال فى النقاش بصوت عالى وغاضب ورافض لتلك الاجراءات ليكمل نائب المدير بطريقة حاسمة انهى فيها كلامه:
-واللى عنده اعتراض على مد فترة العمل دون مقابل يقدر يقدم استقالته واللى هيمتنع عن العمل او يعترض هيتم فصله فصل نهائى لا رجعة فيه.
ليصمت الجميع ليتطلع نائب المدير لهم بطريقة مستفزة وفى تحد سافر منتظر ان يعقب عليه احد العمال او ان يرفض القرار ليقوم بفصله فى الحال ليكون عبرة للاخرين ولكن الجميع العمال نظروا الى بعضهم منظرين ان يقوم احدهم بالاعتراض للانضمام اليه ولكن لم يجرؤ احد منهم ان يشعل فتيل الاعتراض خاصة وقد وضع كل منهم اسرته والتزاماته نصب عينيه ليخفض الجميع رؤوسهم
و جروا اقدامهم لخارج المصنع حتى ما بداوا الاستعداد للانصراف وكل منهم لا يريد فى الواقع العودة لمنزله حتى صاح بهم (حلمى)وهو احد العمال الشباب المتحمس وابن لاحد العمال الذين عاشوا النهضة الصناعية فترة الوزير (عزيز صدقى) فى عهد الرئيس (جمال عبد الناصر) وطالما حكى له والده عن النقلة الصناعة التى واكبها وعن حقوق العمال وتأثر بذلك تاثر شديد:
-احنا هنسكت على الظلم ده؟
فأجاب احد العمال:
-فى ايه نقدر نعمله؟
- نقدر نعمل كتير تعالوا يا رجالة على القهوة.
سار معه العمال منهم من هو مصمم على اتيان اى فعل ضد ذلك القرار ومنهم من استولى الخوف على قلبه وذهب معهم لتهدئتهم حتى لا ياتوا فعلا من شأنه ان يعاقبوا جميعا به عقابا جماعيا ومنهم من ذهب دون ان يكون له قرار فقط ذهب ليفعل كما سيفعل الباقين حتى جلسوا جميعا فى المقهى وتطلعوا الى (حلمى) الذى قال فى حماسة:
-احنا مش لازم نسكت انا ممكن نرفع قضية قصاد المحكمة بسبب الساعة الزيادة واكيد هيتحكملنا زى عم (سيد) ما قال اننا المفروض نشتغل ثمان ساعات.
فقال (سيد):
-هيتحكملك اه بس هيفصلوا اللى هيرفع القضية، القانون اداك حق انك تعترض على مخالفته بس مش هيحميك من الفصل التعسفى هيتصرفلك شهرين ثلاثة بس فى الاخر هتتفصل مين ممكن يرفع القضية باسمه ويتفصل علشان الباقى ميتطبقش على الباقى.
فلاذ الجميع بالصمت قبل ان يقول (حلمى):
-ممكن نرفعها كلنا باسمنا وساعتها مش هيقدروا يفصلونا كلنا.
فقال عامل شعر بخوف شديد:
-انت بتقول كده علشان معندكش مسئوليات بس كل واحد مننا عنده مسئوليات.
- مفيش واحد معندوش مسئوليات والا مكنش اشتغل انا عندى بيت وبنت عمرها سنتين وأم بصرف عليها بس مش قابل الظلم.
فقال احد العمال من المغلوبين على امرهم:
-احنا نطاطى للريح وبعدين احنا عندنا مزايا يعنى مثلا اننا متأمن علينا.
- متأمن علينا؟!مش عم (شاكر) لما وقع محدش سأل عليه وطلع التأمين بتاع المصنع نصب ومحدش صرف على علاجه.
فقال (سيد) فى حسم:
-رأيك نعمل ايه يا (حلمى)؟
اخذ (حلمى) نفسا عميقا قبل ان يقول:
-اضراب.
ردد العمال الكلمة فى رهبة وخوف قبل ان يشرح (حلمى):
-المصنع دلوقتى ملتزم بتسليم طلبيات يعنى لو وقفنا الشغل لغاية ما تتحقق
مطالبنا لازم يرضخوا لمطالبنا والا تتوقع عليهم شروط جزائية كبيرة وساعتها مش هيقدروا يفصلوا العمال كلهم لانهم مش هيقدروا يقفوا قصاد كل العمال دى فى المحاكم وكمان الناس اللى المفروض يتورد لهم الطلبيات.
صمت الجميع منتظرين ان يقوم شخص بتأييد او رفض ما قاله (حلمى) حتى قال (سيد) كلمته بما له من مكانة بين العمال:
-خلاص بكره انشاء الله نروح المصنع وهنحط الطلبات بتاعتنا فى ورقة كبيرة مكان ورقة قرار زيادة ساعات العمل متوقع عليها باسم عمال المصنع كلهم والالات مش هتشتغل غير لما يوافق على مطالبنا ومفيش حاجة اسمها نختار من العمال اللى يمثلنا احنا لينا طلبات محددة ولازم يتوافق عليها.
صمت الجميع وعادوا الى منازلهم وهم متحمسون وان كان خوفهم اكبر من حماسهم وفى اليوم التالى ذهبوا الى العمل وتجاوزت الساعة التاسعة ولم تشتغل الة واحدة وجلس العمال فى باة المصنع حتى جاء اليهم نائب المدير ليسالهم بغلظة:
- اتاخرتم عن الشغل ساعة كاملة ليه؟
فترددوا حتى قال (حلمى):
-رافضين القرار بالاضافة الى ان عندنا طلبات.
- طلبات ايه؟
فأشار الى الورقة التى كتبها العمال ليقرأها نائب المدير ليقول:
-ابداوا شغل وهندرسها.
- اسفين مش هنشتغل غير لما طلباتنا تتحقق.
- اللى مش هيشتغل خلال خمس دقائق هيتم الاستغناء عنه.
جلس العمال القرفصاء ولم ينصاع احد لتهديده قبل ان يهرول للمدير كالكلب المطيع ليبلغه بما حدث ليخرج المدير بنفسه للعمال وهى احدى المرات القلائل التى يخرج بنفسه بعد ان ادرك خطورة الامر ليقول للعمال:
-ازاى الشغل يقف فى المصنع؟
فقال (سيد) فى احترام:
- عندنا طلبات يا افندم؟
فصاح نائب المدير:
-مفيش حاجة اسمها طلبات اللى مش عاجبه يغور فى داهية.
فقال المدير لنائبه بغضب:
-اسكت متقولش الكلام ده العمال هما اللى شايلين المصنع على اكتافهم والمصنع ده مصنعهم قبل ما يكون مصنعى.
فصفق جميع العمال للمدير قبل ان يكمل الاخير:
-خير يا اولاد انا زى والدكم ايه مطالبكم؟
فقال (حلمى):
-اننا نلغى قرار العمل لساعة اضافية.
- ساعة اضافية؟ مين اللى طلع القرار ده؟
فقال نائبه:
-انا يا افندم قلت ان حاجة العمل....
فقاطعه المدير:
-ازاى تطلع قرار زى ده؟ لا طبعا القرار ده لازم يتلغى.
فصفق العمال مرة اخرى قبل ان يسال:
-ايه طلباتكم تانى؟
- الحوافز متاخرة يا افندم، والتامينات كمان مش جدية.
- قرار بصرف الحوافز المتاخرة اخر الشهر مع المرتب والتامينات المشكلة مع الوزارة مش عندنا وانا كلفت المسئول عن الشئون القانونية بمتابعة الموقف.
بدأ العمال فى الهتاف باسم المدير قبل ان يطلب منهم ان يعودوا لعملهم ليستجيبوا له قبل ان يميل (حلمى) على عدد من رفاقه ويقول:
-المفروض كنا اخدنا ضمانات ومكتفناش بالكلام.
ليبدأ العمال فى الهجوم على (حلمى) ليقولوا:
-عيب يا (حلمى) ده زى ابونا ومش معقول يكدب علينا.
- وبعدين ده مكانش عارف بالقرار اللى كان طلع واول ما عرف لغاه.
- احنا مكناش نحلم باللى احنا وصلنا له مش بعد كل ده وعلشان الراجل كويس معانا نستغله.
فصمت (حلمى) وعاد لعمله، وفى نفس الوقت كان المدير يجلس مع نائبه ليسال الاخير فى حيرة:
-انا مش فاهم حضرتك عملت كده ليه؟ وادعيت ليه انك متعرفش بالقرار مع ان حضرتك اللى اصدرت القرار بنفسك؟
- القرار هيطبق،لما كانوا مع بعض مكناش هنقدر عليهم وممكن ندخل فى مشاكل بسبب اضرابهم بس دلوقتى رجعوا يشتغلوا ولسه قصادنا لغاية اخر الشهر ومفيهاش حاجة لو قرار مد ساعات العمل اتاخر شهر احسن ما يشتغلوش خالص.
- حضرتك هتطبق القرار ازاى ومش هتصرف الحوافز ازاى؟
فأبتسم المدير وقال:
-هتعرف ازاى.
وفى منتصف الشهر اصدر المدير قرار بفصل (حلمى) باعتباره من المحرضين على الشغب بالمصنع وانتظر (حلمى) من زملائه العمال ان ينتفضوا ليعلنوا الاضراب ولكن كل منهم خاف على نفسه وما كان منهم الا ان استمروا فى العمل وفى نهاية الشهر اعاد المدير القرار والذى سبق وان اتخذه بزيادة عدد ساعات العمل ولم يقم بعمل جديد فى التامينات وقام بصرف ربع الحوافز فقط، ليصمت الجميع حتى لا يكون مصيرهم كمصير (حلمى).
تمت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق